فخر الدين الرازي
451
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تقشعر الجلود من خوف عذاب اللَّه ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب اللَّه . الصفة الثانية : قوله تعالى : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وهو كقوله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً [ التوبة : 124 ] ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين : الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه اللَّه : أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح » يريد أن معرفته باللَّه أقوى . ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوماً بها جزماً مانعاً من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلًا في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلًا ، بل إمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علماً بل ظناً ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في / الدلائل بسبب القوة محال ، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد ، إن كان مانعاً من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة ، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلًا ، بل كان إمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف . واعلم أنه يمكن أن يقال : المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضراً للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ومنهم من يكون مداوماً لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة . والوجه الثاني : من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند اللَّه ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صَلَّى اللّه عليه وسلّم متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقاً وإقراراً ، ومن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد . وقوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً معناه : أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن كما قدرة اللَّه وحكمته ، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة اللَّه في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة اللَّه في تخليق شيء آخر ، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل ، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا ؟ أما الذين قالوا : الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل ، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن قوله : زادَتْهُمْ إِيماناً يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة ، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة . والثاني : أنه